القرطبي
331
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
( أو تأتى بالله والملائكة قبيلا ) أي معاينة ، عن قتادة وابن جريج . وقال الضحاك وابن عباس : كفيلا . قال مقاتل : شهيدا . مجاهد : هو جمع القبيلة ، أي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة . وقيل : ضمناء يضمنون لنا إتيانك به . ( أو يكون لك بيت من زخرف ) أي من ذهب ، عن ابن عباس وغيره . وأصله الزينة . والمزخرف المزين . وزخارف الماء طرائقه . وقال مجاهد : كنت لا أدرى ما الزخرف حتى رأيته في قراءة ابن مسعود " بيت من ذهب " أي نحن لا ننقاد لك مع هذا الفقر الذي نرى . ( أو ترقى في السماء ) أي تصعد ، يقال : رقيت في السلم أرقي رقيا ورقيا إذا صعدت . وارتقيت مثله . ( ولن نؤمن لرقيك ) أي من أجل رقيك ، وهو مصدر ، نحو مضى يمضى مضيا ، وهوى يهوى هويا ، كذلك رقى يرقى رقيا . ( حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ) أي كتابا من الله تعالى إلى كل رجل منا ، كما قال تعالى : " بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ( 1 ) " . ( قل سبحان ربى ) وقرأ أهل مكة والشام " قال سبحان ربى " يعنى النبي صلى الله عليه وسلم ، أي قال ذلك تنزيها لله عز وجل عن أن يعجز عن شئ وعن أن يعترض عليه في فعل . وقيل : هذا كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم . الباقون " قل " على الامر ، أي قل لهم يا محمد ( هل كنت ) أي ما أنا ( إلا بشرا رسولا ) اتبع ما يوحى إلى من ربى ، ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر ، فهل سمعتم أحدا من البشر أتى بهذه الآيات وقال بعض الملحدين : ليس هذا جوابا مقنعا ، وغلطوا ، لأنه أجابهم فقال : إنما أنا بشر لا أقدر على شئ مما سألتموني ، وليس لي أن أتخير على ربى ، ولم تكن الرسل قبلي يأتون أممهم بكل ما يريدونه ويبغونه ، وسبيلي سبيلهم ، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم ، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها ، ولو وجب على الله أن يأتيهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل ، ولوجب لكل إنسان أن يقول : لا أو من حتى أوتى بآية خلاف ما طلب غيري . وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير إلى الناس ، وإنما التدبير إلى الله تعالى .
--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 88 .